ابراهيم بن عمر البقاعي
14
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان الدين مع سهولته متينا لن يشاده أحد إلا غلبه ، قال حاملا على التقوى بالوعد بدفع المضار ، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى أن زمان التكفير والدخول متفاوت بحسب طول الحساب وقصره ، كلما فرغ واحد من الحساب دخل الجنة إن كان من أهلها : يُكَفِّرْ أي اللّه - على قراءة الجماعة بأن يستر سترا عظيما عَنْهُ سَيِّئاتِهِ التي غلبه عليها نقصان الطبع ، وأتبع ذلك الحامل الآخر وهو الترجئة يجلب المسار لأن الإنسان يطير إلى ربه سبحانه بجناحي الخوف والرجاء والرهبة والرغبة والنذارة والبشارة فقال : وَيُدْخِلْهُ أي رحمة له وإكراما وفضلا جَنَّاتٍ أي بساتين ذات أشجار عظيمة وأغصان ظليلة تستر داخلها ، ورياض مديدة منوعة الأزاهير عطرة النشر تبهج رائيها ، وأشار إلى دوام ريها بقوله : تَجْرِي ولما كان عموم الماء لجميع الأرض غير ممدوح ، بين أنه في خلالها على أحسن الأحوال فقال : مِنْ تَحْتِهَا وبين عظمه بقوله : الْأَنْهارُ ولما كان النزوح أو توقعه عن مثل هذا محزنا ، أزال توقع ذلك بقوله جامعا لئلا يظن الخلود لواحد بعينه تصريحا بأن من معناها الجمع وأن كل من تناولته مستوون في الخلود : خالِدِينَ فِيها وأكد بقوله : أَبَداً والتقدير على قراءة نافع وابن عامر بالنون : نفعل التكفير والإدخال إلى هذا النعيم بما لنا من العظمة فإنه لا يقدر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء إلا اللّه سبحانه ، ولا تكون هذه القدرة تامة إلا لمن كان عظيما لا راد لأمره أصلا . ولما كان هذا أمرا باهرا جالبا بنعيمه سرور القالب ، أشار إلى عظمته بما يجلب سرور القلب بقوله : ذلِكَ أي الأمر العالي جدا من الغفران والإكرام ، لا غيره الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لأنه جامع لجميع المصالح مع دفع المضار وجلب المسار . ولما ذكر الفائز بلزومه التقوى ترغيبا ، أتبعه الخائب بسبب إفساد القوتين الحاملتين على التقوى : العلمية والعملية ترهيبا ، فقال بادئا بالعلمية : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي غطوا أدلة ذلك اليوم فكانوا في الظلام . ولما ذكر إفسادهم القوة العلمية ، أتبعه العملية فقال : وَكَذَّبُوا أي أوقعوا جميع التغطية وجميع التكذيب بِآياتِنا بسببها مع ما لها من العظمة بإضافتها إلينا ، فلم يعملوا شيئا . ولما بين إفسادهم للقوتين ، توعدهم بالمضار فقال معريا من الفاء في جانبي الأشقياء والسعداء طرحا للأسباب ، لأن نظر هذه السورة إلى الجبلات التي لا مدخل فيها لغيره أكثر بقوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] فإن ذلك أجدر بالخوف منه ليكون أجدر بالبعد عما يدل على الجبلة الفاسدة من الأعمال السيئة : أُولئِكَ أي البعداء البغضاء أَصْحابُ النَّارِ ولما كان السجن إذا رجي